ابن خاقان
مقدمة ر
قلائد العقيان ومحاسن الأعيان
فالقول ههنا ، يوضّح هذا الاتجاه المنهجي في المقدمة ، الذي هو في الحقيقة ، تصوير للنزعة الذاتية لدى الفتح بن خاقان ، فإنه أفرغ في أسطرها لمحا من فكره ، وفيضا من خاطره ، وهي - على كل حال - مقدمة لا تحتوي على الكثير الذي نطمح إلى معرفته ، ممّا عساه أن يربطنا بصلات وثيقة وعميقة بالحالة الأدبية والنقدية لتلك الفترة ، اللّهم إلّا من ذلك الوصف السطحي لما حاق بالأدب ، وما صارت إليه حاله وهيئته ، ليتخذ الفتح من ذلك توطئة ينفذ من خلالها إلى الأمير المرابطي ، أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين ، الذي وسم كتابه برسمه وزفّه إليه . وفي أثناء ذلك يحكي الفتح كثيرا من صفات هذا الأمير « 1 » . تلك هي المقدمة ، ولكن الفتح لم يفته - أيضا - أن يرسم بعض خطوات منهجه في مقدمته تلك ، وهو المنهج الذي أقامه - في وجه واحد منه - على الأساس الذي اندرج لمعاصره ابن بسّام في الذخيرة « 2 » ، وهو الانتخاب والانتقاء والاجتهاد في الوقوف على المولّد المخترع ، والجديد المبتدع ، " . . . وانتخبت من الأدب لمعا ، كالسيوف المرهفة ، والشفوف المفوّفة . . . ، وانتقيت من توليده المخترع ، وتجديده المبتدع ، لمحا يهزّ لها الزمان عطفه انتشاء . . . ، وضممتها إلى صوان يحفظها ، وديوان يبديها للعيون فتلحظها . . . ، واستثبت في انتقاء من أثبتّ وانتخبت ما جلبت ، وشنّفت ما صنّفت " « 3 » . فلمّا تألفت القلائد « 4 » خالف الفتح منهجيّة ابن بسّام في الذخيرة ، فلم يحذحذوه في تقسيم القلائد ، ويحدّد ترتيبها على طوائف يجمعها إقليم معيّن ، بل أقام
--> ( 1 ) القلائد : 3 . ( 2 ) مع أنهما يجمعهما منهج واحد ، في الاقتصار على ترجمة معاصريهما ، الا أن الفتح ضم إلى كتابه عددا أوفر من أهل القرن السادس الهجري ، في الوقت الذي حاول فيه ابن بسام ، أن لا يحيد عن أهل المائة الخامسة للهجرة ، الا في حدود قليلة . ( 3 ) القلائد : 2 - 3 . ( 4 ) ابتدأ الفتح في التصنيف منذ ( سنة 506 ه ) ، واستمر في عمله إلى ( سنة 521 ه ) ، وهي سنة وفاة ابن السيد البطليوسي . ونقل المقري عن ابن سعيد في تذييله لرسالة ابن حزم قوله : " . . . وفي عصرها - يعني الذخيرة ، وهو مستهل القرن السادس الهجري - صنف الفتح كتاب القلائد ، وهو مملوء بلاغة . . . " ( النفح : 3 / 182 ) .